القرطبي

34

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة ، فينزلون القران على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا انها غير مرادة . فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي . الوجه الثاني - ان يتسارع إلى تفسير القران بظاهر العربية ، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القران وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة ( 1 ) ، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم والتأخير ، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ، ودخل في زمرة من فسر القران بالرأي ، والنقل والسماع لا بدله منه في ظاهر التفسير أولا ليتقى به مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط . والغرائب التي لا تفهم الا بالسماع كثيرة ، ولا مطمع في الوصل إلى الباطن قبل احكام الظاهر ، الا ترى ان قوله تعالى : " واتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها " ( 2 ) معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها ، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به ان الناقة كانت مبصرة ، ولا يدري بماذا ظلموا ، وانهم ظلموا غيرهم وأنفسهم ، فهذا من الحذف والاضمار ، وأمثال هذا في القران كثير ، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهى إليه . والله أعلم . قال ابن عطية : " وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القران ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع ادراكهم وتقدمهم " . قال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القران ، فبعض يقدر ان الذي يفسره لا يوافق مراد الله عز وجل فيحجم عن القول . وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه ويقتفي طريقه . فلعل متأخرا ان يفسر حرفا برأيه ويخطئ فيه ويقول : إمامي في تفسير القران رضي الله عنه عن تفسير حرف من القران فقال : اي سماء تظلني ، وأي ارض تقلني ! وأين أذهب ! كيف أصنع ! إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى .

--> ( 1 ) هكذا في كل النسخ التي بأيدينا . ( 2 ) آية 59 سورة الإسراء .